الآلوسي

179

تفسير الآلوسي

ورزقه وأجله وأثره ومصيبته ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها ، وجوز أيضاً أن يراد به علم الله عز وجل ، وذكر في ربط الآيات إن قوله تعالى : * ( والله خلقكم من تراب ) * الخ مساق للدلالة على القدرة الكاملة وقوله سبحانه : * ( ما تحمل من أنثى ) * الخ للعلم الشامل وقوله عز وجل : * ( وما يعمر من معمر ) * الخ لإثبات القضاء والقدر ، والمعنى وما يعمر منكم خطاباً لأفراد النوع الإنساني وأيد بذلك الوجه الأول من أوجه * ( وما يعمر ) * الخ * ( إنَّ ذَلكَ ) * أي ما ذكر من الخلق وما بعده مع كونه محاراً للعقول والأفهام * ( علَى الله يَسيرٌ ) * لاستغنائه تعالى عن الأسباب فكذلك البعث والنشور . * ( وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَاذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَاذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * . * ( وَمَا يَسْتَوي الْبَحْرَان هَذَا عَذْبٌ ) * طيب * ( فُرَاتٌ ) * كاسر العطش ومزيله . وقال الراغب : الفرات الماء العذب يقال للواحد والجمع ، ولعل الوصف على هذا على طرز أسود حالك وأصفر فاقع * ( سَائغٌ شَرَابُهُ ) * سهل انحداره لخلوه مما تعافه النفس . وقرأ عيسى * ( سيغ ) * كميت بالتشديد ، وجاء كذلك عن أبي عمرو . وعاصم ، وقرأ عيسى أيضاً * ( سيغ ) * كميت بالتخفيف * ( وَهَذَا ملْحٌ ) * متغير طعمه التغير المعروف ، وقرأ أبو نهيك . وطلحة * ( ملح ) * بفتح الميم وكسر اللام ، قال أبو الفتح الرازي : وهي لغة شاذة ، وجوز أن يكون مقصوراً من مالح للتخفيف ، وهو مبني على ورود مالح والحق وروده بقلة وليس بلغة رديئة كما قيل . وفرق الإمام بين الملح والمالح بأن الملح الماء الذي فيه الطعم المعروف من أصل الخلقة كماء البحر والمالح الماء الذي وضع فيه ملح فتغير طعمه ولا يقال فيه إلا مالح ولم أره لغيره ، وقال بعضهم : لم يرد مالح أصلاً وهو قول ليس بالمليح * ( أُجَاجٌ ) * شديد الملوحة والحرارة من قولهم أجيج النار وأجتها ، ومن هنا قيل هو الذي يحرق بملوحته ، وهذا مثل ضرب للمؤمن والكافر ، وقوله تعالى : * ( وَمنْ كُلّ ) * أي من كل واحد منهما * ( تَأْكُلُونَ لَحماً طَريًّا ) * أي غضا جديداً وهو السمك على ما روي عن السدى ، وقيل الطير والسمك واختار كثير الأول ، والتعلير عن السمك باللحم مع كونه حيواناً قيل للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل ، ووصفه بالطراوة للاشعار بلطافته والتنبيه على المسارعة إلى أكله لئلا يتسارع إليه الفساد كما ينبئ عنه جعل كل من البحرين مبدأ كله . واستدل مالك . والثوري بالآية حيث سمي فيها السمك لحما على حنث من حلف لا يأكل لحماً وأكل سمكاً ، وقال غيرهما : لا يحنث لأن مبني الأيمان على العرف وهو فيه لا يسمى لحما ولذلك لا يحنث من حلف لا يركب دابة فركب كافراً مع أن الله تعالى سماه دابة في قوله سبحانه : * ( إن شر الدواب عند الله الذين كفروا ) * ( الأنفال : 55 ) ولا يبعد عندي أن يراد بلحماً لحم السمك ودعوى التلويح بانحصار الانتفاع بالسمك في الأكل لا أظنها تامّة * ( وَتَسْتَخْرجُونَ ) * ظاهره ومن كل تستخرجون * ( حلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) * والحلية التي تستخرج من البحر الملح اللؤلؤ والمرجان ويابس ذلك الرجال والنساء وإن اختلفت كيفية اللبس ، أو يقال عبر عن لبس نسائهم بلبسهم لكونهن منهم أو لكون لبسهن لأجلهم ، ولا نعلم حلية تستخرج من البحر العذب ، ولا يظهر هنا اعتبار إسناد ما للبعض إلى الكل كما اعتبر ذلك في قوله تعالى : * ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) * ( الرحمان : 22 ) وكون بعض الضخور التي في مجاري السيول قد تكسر فيوجد فيها ماس وهو حلية تلبس إن صح لا ينفع اعتباره هنا إذ ليس فيه استخراج الحلية من البحر العذب ظاهراً ، وقيل : لا يبعد أن تكون الحلية المستخرجة من ذلك عظام السمك التي يصنع منها قبضات للسيوف